أبي منصور الماتريدي

33

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني : البعث ، وأضاف ذلك إلى نفسه ؛ لأنه هو النهاية « 1 » والمقصود في خلقهم ، ولما لم يفهم أحد من قوله : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ معنى الانتقال والتحول من مكان إلى مكان من حيث إنه يضاف إلى الله تعالى ؛ لأن هذا فعل يكون باثنين ، فإن من صار إلى شيء صار ذلك إليه ، مثل الملاقاة والإتيان ونحو ذلك ، فلما لم يفهم منه الانتقال لم ينبغ أن يفهم من قوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] معنى الانتقال ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ . في إخباره عن علمه بذلك كله إيجاب المراقبة والتيقظ والتبصر ، والمحافظة على ما أمره الله تعالى ونهاه ، وفي هذا إخبار أن الله تعالى مطلع على ما يضمرون ، محص عليكم جميع ما تظهرون ، فاحذروا أن ترتكبوا ما فيه سخطه في الحالين جميعا ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - : بِذاتِ الصُّدُورِ قال أهل التفسير : أي : بما في الصدور . ويحتمل أن يكون المراد منه بالأنفس التي لها الصدور ، وكل من كان ذا فكرة وتدبير فإنه يسمى : ذات الصدور ، ومعناه : أن التدبير إنما يصدر عن ذلك الموضع ، ويرجع إليه ، وكل بنو آدم خصوا بهذا المعنى ؛ فلذلك ذكر هذا فيهم ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 5 إلى 10 ] أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 6 ) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 ) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ . فتأويله عندنا - والله أعلم - أي : قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل ، وما ذا نزل بهم حين كفروا وعاندوا ، ومعنى ذلك أن الله تعالى [ قد ] « 2 » حذرهم بما يكون في الآخرة من ألوان العذاب ، فلم يتعظوا ، لما لم يكونوا يؤمنون « 3 » بالبعث ، فلما لم ينجع « 4 » فيهم

--> ( 1 ) في أ : الهداية . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : مؤمنين . ( 4 ) في أ : ينجح .